اهتم علماء النفس بسلوك البشر حين يتجمعون في أعداد كبيرة حيث اتضح اختلاف سلوكهم في هذه الحالة عن سلوكهم في حالاتهم الفردية، وكأن الحشد يأخذ أبعادا نفسية تتجاوز مجموع اتجاهات وآراء الأشخاص منفردين، أو أن تغيرا نوعيا يساعد على خروج أفكار ومشاعر لم تكن متاحة لوعى الشخص في حالته الفردية، وهذه هي خطورة سلوك الحشد، و السبب وراء حرص السلطة على تجنب المواقف الحاشدة للجماهير خاصة حين تكون غاضبة أو تكون ممنوعة من التعبير لفترات طويلة حيث تصبح إمكانات الانفجار المدمر أكثر احتمالا...
و يصف عالم النفس و الاجتماع الفرنسي جوستاف لوبون هذه الظاهرة بقوله:
"الظاهرة التي تدهشنا أكثر في الجمهور النفسي هي التالية: أيا تكن نوعية الأفراد الذين يشكلونه وأيا يكن نمط حياتهم متشابها أو مختلفا، وكذلك اهتماماتهم ومزاجهم أو ذكاؤهم فإن مجرد تحولهم إلى جمهور يزودهم بنوع من الروح الجماعية، وهذه الروح تجعلهم يحسون ويفكرون ويتحركون بطريقة مختلفة تماما عن الطريقة التي كان سيحس بها ويفكر ويتحرك كل فرد منهم لو كان معزولا، وبعض الأفكار والعواطف لا تنبثق أو لا تتحول إلى فعل إلا لدى الأفراد المنضوين في صفوف الجماهير، إن المجموعة هي عبارة عن كائن مؤقت مؤلف من عناصر متنافرة ولكنها متراصة الصفوف للحظة من الزمن، إنها تشبه بالضبط خلايا الجسد الحي التي تشكل عن طريق تجمعها وتوحدها كائنا جديدا يتحلى بخصائص جديدة مختلفة جدا عن الخصائص التى تملكها كل خلية"...
إذن ففي وسط الحشد يشعر الفرد بالأمان لأنه الآن جزء من كيان ضخم يصعب عقابه أو مساءلته، ويتمركز الشخص حول هذا الكيان الضخم أكثر من تمركزه حول ذاته، لذلك ترتبط فعالية كل مجموعة بدرجة الترابط الحاصل بين أفرادها و مدى إيمانهم بالقيم التي تجمع بينهم و توحدهم...
في عالم كرة القدم الاحترافية صار الاعتماد على خبراء علم النفس و/أو الاجتماع ضمن طاقم الأندية من الضروريات التي لا تقل شأنا في الكثير من الأحيان عن الخطط و التكتيكات بل إن الوصفات النفسية أضحت تساهم في تحصيل أفضل النتائج التي ما كانت لتتحقق لولا التحضير النفسي الجيد للأفراد و المجموعة، و لعل آخر مثال يأتينا في هذا الصدد يتجلى في التصريحات القادمة من العاصمة الإسبانية مدريد على لسان الحارس العملاق إيكر كاسياس الذي قال إن العوامل النفسية تلعب دورا كبيرا في الهزائم المتتالية التي تعرض لها النادي الملكي أمام غريمه اللدود برشلونة خلال الآونة الأخيرة !!
ما يهمنا نحن و المنتخب الوطني مقبل على خوض كأس إفريقيا للأمم و بعد معسكر ماربيا و الانتهاء من وضع آخر اللمسات على المسائل التقنية و التكتيكية هو التساؤل عن درجة الاستعداد النفسي لأسود الأطلس و مدى ترابط المجموعة و إيمانها بقدرتها على إسعاد الشعب المغربي بالذهاب إلى أبعد حد ممكن في هذه المنافسة ؟
تساؤل مشروع إذ علمتنا التجارب أن الانشقاقات و لغة التفرقة كانت سببا رئيسيا وراء تواضع نتائج منتخبا الوطني لردح طويل من الزمن و لعل الأحاديث لفترات عديدة عن الحرب الباردة بين فصائل محترفي فرنسا/محترفي هولندا/لاعبي البطولة و محترفي الخليج يجعلنا نكاد نجزم أنه لا دخان بدون نار، و لعل الحادث المؤسف بين شيبو و وادو الذي أدى لانسحاب هذا الأخير من التشكيلة التي خاضت كأس إفريقيا 2002 أبرز مثال على عدم توفقنا في بناء مجموعة تتكلم لغة موحدة رغم المستوى الفردي العالي للعديد من اللاعبين المغاربة، و في هذا الصدد نستحضر قول المدرب فان غال لنور الدين البخاري: " إذا كان المغرب لا يستدعيك لتوفره على عناصر أفضل مستوى فهو قادر على الفوز بكأس العالم !! "
يقال إن كرة القدم مرآة لثقافات الشعوب، و هو قول صحيح إلى حد بعيد إذا تتبعنا التطور التاريخي لكرة القدم الذي شهد على تحولها من مجرد لعبة الهدف الأول و الأخير من ممارستها هو المتعة، إلى أداة استخدمتها ـ و لا زالت إلى حد ما ـ الديكتاتوريات لتعبئة و تنويم الشعوب بغية إبعادها عن التفكير في مشاكلها الحقيقية، إلى تجارة قائمة الذات، نجد أن المنتخبات التي استطاعت الحفاظ على تألقها و تأمين مرورها السلس بين كل مرحلة و أخرى هي تلك التي تنتمي إلى دول انعكست هوية و طريقة عيش شعوبها على ما يحدث داخل المستطيل الأخضر...
لا يتعلق الأمر بالموهبة و الإبداع و إلا لفازت بلدان كهولندا و بعض الدول الإفريقية بكل الألقاب الممكنة، و لا بالاحترافية و التخطيط السليم و إلا لحصدت انجلترا و اليابان و الدول الاسكندنافية الأخضر و اليابس، و لا بالقتالية و الروح الوطنية و إلا لاكتسح اللاتينيون و الآسيويون عالم المستديرة؛ لكن بوصفة تمزج بمقادير عقلانية بين كل العوامل سالفة الذكر لتجعل من الكرة أسلوب حياة هو خير معبر عن هوية الشعوب...
فالبرازيلي نقل معاناته و كفاحه للتخلص من الفقر و بهجته في الحياة رغم كل شيء إلى أرضية الميدان فأبدع و أمتع كأنه يرقص السامبا ، و لعل الجميع لاحظ عجز البرازيل آخر السنوات عن تقديم نجوم كبار و هي ليست أزمة عابرة لأن متعة الكرة بدأت تتضاءل تدريجيا في بلد البن و أزقة الفافيلاس و دروب الفقر الضيقة التي أنجبت عباقرة المستديرة بدأت تنكمش مع تحسن الأوضاع الاقتصادية بشكل كبير، فاللاعب البرازيلي لم يعد يلعب ليتمتع بالمقام الأول و إنما ليجني الأموال الطائلة مما ينذر بدخول البرازيل في أزمة كروية حقيقية إن لم تستعد هويتها المتفردة المفقودة،
و الألماني نقل شخصيته القوية التي لا ترضى عن الانتصار بديلا و انضباطه الأكاديمي و تقدمه التكنولوجي فجاءت نتائج المانشافت من يورو 1972 إلى غاية المونديال الأخير مذهلة بكل المقاييس...و إيطاليا التي ظلت إلى غاية 150 سنة مضت عبارة عن ممالك متناحرة في ما بينها قبل أن يوحدها جيوسيبي غاريبالدي حولت حب الإيطاليين لوطنهم إلى سلاح قتالي فتاك أحرز 4 كؤوس عالم...
و حتى لا نذهب بعيدا فعلى ذات النهج سار إخواننا المصريون الذين حطموا بقتاليتهم و روحهم الوطنية العالية كل أرقام كأس إفريقيا للأمم...
و هي ذات الأمور التي لم تسمح لمنتخبات كان يحسب لها ألف حساب بمواكبة تطورات الكرة فجاءت إنجازاتها متفرقة في الزمن، و لنا في هولندا و انجلترا و روسيا السوفياتية سابقا و الأرجنتين التي لم تنجح بعد في التخلص من شبح مارادونا خير مثال...
هي منتخبات كان من أبرز عوامل نجاحها قدرتها على صنع مجموعة متراصة الصفوف تنصهر داخل بوثقتها مختلف الفصائل العرقية و اللغوية و حتى الدينية للأفراد لتتشكل في قالب يعتبر التنوع غنى من المفترض الفخر به و ليس جعله أداة للتنافر و التناحر...ليذهب المنتخب الوطني إلى أقصى حد ممكن في النهائيات الإفريقية يجب أن يتكلم الأسود لغة المجموعة؛ صحيح أن فنيات تاعرابت و سرعة السعيدي و زئبقية أمرابط و استئساد بن عطية و مرونة لمياغري ستكون من العوامل الحاسمة في فك شفرة الخصوم، لكن كل هذه الفنيات الجبارة ستذهب هباء تذروه الرياح إن لم توظف في قالب جماعي قوي و متماسك...
قديما قيل إن في الاتحاد قوة و إن المرء ضعيف بنفسه قوي بإخوانه و هو ليس كلاما إنشائيا لأن التجارب أثبتت صحة هذه المقولات على مر الأزمان، لذلك فشعار المرحلة ـ و كل مرحلة قادمة ـ ينبغي أن ينبني على أساس تعاقد جديد تكون فيه كلمة الفصل لعمل المجموعة و ليس الأفراد مهما علا شأنهم.
