الفرق بين الجامعة المدنية و الجامعة العسكرية



السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
قد نختلف حول حجم الدور الذي من المفروض أن تلعبه جامعة أو اتحاد وطني في إطار تسييره لشؤون كرة القدم داخل بلد ما، لكن المؤكد أن هذا الجهاز الذي يمثل أعلى سلطة كروية في كل بلاد العالم يضطلع بمسؤوليات و مهام تبدأ بتوفير حد أدنى من شروط ممارسة كروية سليمة و لا تنتهي بابتداع أفضل سبل التسيير و التدبير الممكنة...
في المغرب لطالما ارتبطت كرة القدم بالعسكر من خلال إسناد رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إلى رجل عسكري و ذلك وفق رؤية أعلى سلطة في البلاد التى تراه الأنسب و الأقدر على فرض الانضباط داخل محيط الكرة الوطنية؛ و بجرد بسيط منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي إلى يومنا هذا سنلحظ أن أغلب رؤساء الجامعة كانوا رجال عسكر (المهدي بلمجدوب، الزموري، باموس، حسني بنسليمان) مقابل ثلة من المحسبوبين على التيار المدني كفضول بنزروال و عثمان السليماني...
لسنا بصدد مناقشة أحقية العسكر في تسيير شؤون كرة القدم المغربية لأن ذلك موضوع آخر منفصل تماما عما نحن بصدد الخوض فيه ـ رغم أنه موضوع في الصميم و يستحق فتح نقاش جاد و مسؤول بخصوصه ذات يوم ـ، لذلك فتحليلنا سيقتصر على إجراء مقارنة بسيطة بين حقبة عشناها جميعا إبان تولي الجنرال حسني بنسليمان رئاسة الجامعة، و العهد الحالي للفاسي الفهري و رجالاته...
بالعودة قليلا بالزمن إلى الوراء سنجد أن جامعة بنسليمان ذاتها قد حلت بديلة لجامعة الكولونيل ماجور إدريس الزموري عقب إخفاق المنتخب الوطني في التأهل لنهائيات كأس إفريقيا 1996 بجنوب أفريقيا؛ جامعة لم تستطب مقعدها إلا لثلاث سنوات (1995 ـ 1992) تميزت بتأهلنا إلى كأس العالم 1994 بقيادة طاقم تدريب وطني و بغيابنا عن دورتين متتاليتين لأمم إفريقيا 94 و 96...
العصر الذهبي لجامعة الجنرال بنسليمان سيبدأ بالتعاقد مع المدرب الفرنسي هنري ميشيل الخارج لتوه وقتها من مونديال 1994 بفضائح مجلجلة مع منتخب الكاميرون؛ أول الغيث سيكون التأهل المزدوج لكأس إفريقيا 98 التي دخلناها بثوب المرشخ لنخرج منها صاغرين، و لكأس العالم بفرنسا و قصتها المعروفة إذ غطى الأداء الجيد في آخر مباراة من الدور الأول أمام اسكتلندا و الحديث عن مؤامرة محتملة بين البرازيل و النرويج عن واقع إقصائنا من الدور الأول...
بعد ذلك و لأزيد من عقد من الزمن ستتوالى النكسات على الكرة الوطنية إذ سنخفق في التأهل لثلاث نسخ متتالية من كأس العالم و ستستمر كرتنا على تواضعها قاريا و عالميا رغم بعض الإشراقات كتونس 2004 و تأهل المنتخب الأولمبي لسيدني 2000 و أثينا 2004...
قد يقول قائل إن الجامعة غير مسؤولة عن نتائج المنتخبات الوطنية التي تبقى من صميم عمل المدرب و طاقمه، و هذا صحيح إلى حد ما على المديين القصير و المتوسط لكن توالي الإخفاقات يطرح أكثر من علامة استفهام حول أنماط التدبير و التسيير المتبعة و حول جدوى الاختيارات و طرق تصريف الموارد البشرية للكرة المغربية...
حكمنا على أداء جامعة الجنرال لن يكون عادلا و كاملا إن نحن اقتصرنا في تحليلنا على نتائج المنتخب الوطني للكبار و باقي الفئات السنية، لكن بإلقاء نظرة بسيطة على حال الكرة المغربية قبل و بعد عهد بنسليمان سنجد أن الأمور قد ظلت على حالها إن لم تكن قد ساءت بعد عجز هذه الجامعة عن الارتقاء بكرة القدم المغربية في كل جوانب الممارسة؛ فحال البطولة الوطنية سارت من سيء إلى أسوإ بعد أن كانت إلى وقت قريب تصدر أجود اللاعبين نحو الاحتراف الأوروبي، و كل المخططات التي وضعت كلبنة مرحلية نحو الاحتراف كاللا هواية و شبه احتراف فشلت في مهدها لأن ما بني على باطل فهو باطل من أساسه...
فشل الجامعة السابقة في صميم مهامِّها التسييرية/التدبيرية التي تمثل الجزء الأهم من الشق التنفيذي للاختصاصات التي تضطلع بها سيرافقه فشل مماثل على الصعيد التشريعي بعد أن ظلت الكرة الوطنية تسير بترسانة قوانين لا تلائم روح العصر و التقدم المهول الذي تسير به كرة القدم العالمية، فكان من نتائج ذلك أن استمرت الأندية الوطنية في تفريخ قيم التخلف الكروي بعد أن بقي مآل أغلبها حكرا على الرئيس و أتباعه في تناقض صارخ مع أبسط أبجديات الرياضة الشعبية الأولى في العالم التي تقتضي دورا أكبر للجماهير في تسيير شؤون فرقها باعتبارها العامل الخارجي الأساسي الضامن لنجاح اللعبة...
في المجمل العام يمكن التأكيد بضمير مرتاح على كون السلبيات تفوق الإيجابيات التي يبقى أبرزها على عهد جامعة الجنرال حسني بنسليمان التميز في توفير أفضل الظروف اللوجيستية للمنتخبات الوطنية في تنقلها و/أو إقامتها إبان المشاركات الخارجية، و هنا يحق التساؤل هل الجامعة المدنية التي خلفتها برئاسة رجل الدولة علي الفاسي الفهري كانت أفضل حالا أم أن أولاد عبد الواحد كلهم واحد !؟
قد يكون أول جواب يتبادر إلى الذهن هو التحسن الكبير في البنية التحتية الرياضية بعد افتتاح جيل جديد من الملاعب و أخرى سترى النور عما قريب، لكن عودة أخرى عبر الزمن إلى الوراء ستجرد الجامعة الحالية من دور البطولة في هذا المكتسب إذ أن الاستمرار في بناء الملاعب جاء وفقا لتعليمات ملكية مباشرة بعد تأكيد الإخفاق في تنظيم مونديال 2010، بل لن نبالغ إن أكدنا أن حتى التعاقد مع إريك غيريتس لعب فيه التدخل السامي دورا كبيرا لتحويل وجهة البلجيكي من الرياض إلى عاصمة المملكة المغربية...
مبدئيا فإنه من المجحف عقد مقارنة بين جامعة بقيت في منصبها قرابة 14 عاما (2009 ـ 1995) و أخرى لم تقض بعد أزيد من عامين و نيف على رأس هرم الكرة المغربية، لكن بصفة عامة فإننا لم نر منها بعد ذلك الإبداع الكفيل بإحداث نقلة نوعية في كرة القدم الوطنية رغم بعض النجاحات التي لا يجب بخس حق وزارة الشباب و الرياضة في تحقيقها على عهد الوزير منصف بلخياط ذي الأيادي البيضاء في بلورة استراتيجية احتضان المغرب للتظاهرات القارية و العالمية في خطوة ثانية بعد ذلك...
المؤكد في النهاية أن عملا كبيرا ينتظر جامعتنا " المدنية " للرفع من مستوى الكرة الوطنية و النهوض بها على كافة الأصعدة؛ عمل في العمق يتطلب القطع مع كافة أشكال الهواية و التدبير العشوائي المبني على الترقيع و المزاجية في اتخاذ القرارات، عمل يجب أن يزدان بالتفاني و الصبر و بالتجدد الدائم للأفكار الخلاقة المقرونة بالإرادة الصادقة و حب الوطن...
و في ذلك فليتنافس المتنافسون.